المرآب
في مرآبٍ ضيّق، مثقل برائحة الزيوت وبقايا القطع المعدنية، كانت السيارة تتلألأ تحت ضوء المصابيح الباهتة. محركها يهدر بهمسٍ منخفض، وكأن كل جزءٍ فيها يحفظ ذاكرة قديمة، ينبض بشيءٍ لم يمت بعد. جلس زياد أمامها، يحدّق في تفاصيلها بعينين لا تملّان، ويده تمتد إلى المفكّ ليصلح ما تبقّى من أعطالها، كما لو كان يحاول إحياء شيءٍ ضاع في الماضي… أو لعلّه يحاول إنقاذ نفسه. دخل صديقه آرمار، حاملاً أكياس الطعام، وابتسامة عفوية تعلو وجهه: «مرة أخرى تصلّحها؟ ولماذا؟ لتخربها من جديد قبل أن تقودها حتى لثانية؟» ضحك آرمار، لكن زياد لم يلتفت. قال بلا مبالاة، وهو غارق في عمله: «لماذا أتيت…» اقترب آرمار أكثر، ورفع كيس الطعام مازحًا: «أخاف أن تموت جوعًا… فجئت لإنقاذك!» لم يُبدِ زياد أي اهتمام، وواصل عمله. عندها اتجه آرمار إلى المطبخ المهجور، الذي بدا كفوضى من سنواتٍ منسية. جمع بعض الصحون، غسلها، وسخّن الطعام، ثم وضعه على الطاولة: «هيا، وجدت فطورًا لذيذًا اليوم. دع السيارة ترتاح منك قليلًا.» لم يرفع زياد رأسه. تمتم آرمار لنفسه، بنبرة ضيق: «تتركني آكل وحدي… بعد كل ما فعلته لك، لا شكر ولا مشاركة إفطار.» نظر إليه ...