المرآب
في مرآبٍ ضيّق، مثقل برائحة الزيوت وبقايا القطع المعدنية، كانت السيارة تتلألأ تحت ضوء المصابيح الباهتة. محركها يهدر بهمسٍ منخفض، وكأن كل جزءٍ فيها يحفظ ذاكرة قديمة، ينبض بشيءٍ لم يمت بعد.
جلس زياد أمامها، يحدّق في تفاصيلها بعينين لا تملّان، ويده تمتد إلى المفكّ ليصلح ما تبقّى من أعطالها، كما لو كان يحاول إحياء شيءٍ ضاع في الماضي… أو لعلّه يحاول إنقاذ نفسه.
دخل صديقه آرمار، حاملاً أكياس الطعام، وابتسامة عفوية تعلو وجهه:
«مرة أخرى تصلّحها؟ ولماذا؟ لتخربها من جديد قبل أن تقودها حتى لثانية؟»
ضحك آرمار، لكن زياد لم يلتفت. قال بلا مبالاة، وهو غارق في عمله:
«لماذا أتيت…»
اقترب آرمار أكثر، ورفع كيس الطعام مازحًا:
«أخاف أن تموت جوعًا… فجئت لإنقاذك!»
لم يُبدِ زياد أي اهتمام، وواصل عمله. عندها اتجه آرمار إلى المطبخ المهجور، الذي بدا كفوضى من سنواتٍ منسية. جمع بعض الصحون، غسلها، وسخّن الطعام، ثم وضعه على الطاولة:
«هيا، وجدت فطورًا لذيذًا اليوم. دع السيارة ترتاح منك قليلًا.»
لم يرفع زياد رأسه. تمتم آرمار لنفسه، بنبرة ضيق:
«تتركني آكل وحدي… بعد كل ما فعلته لك، لا شكر ولا مشاركة إفطار.»
نظر إليه زياد أخيرًا، وقال بهدوءٍ خالٍ من الانفعال:
«إذا أكلتُ… ستذهب.»
ابتسم آرمار، محاولًا كسر الجمود:
«هيا نأكل…»
وضع الصحون أمامهما. مسح زياد يديه الملطختين بالزيوت وبقايا المعدن، ذهب لغسلهما، ثم عاد وجلس بصمت. ناوله آرمار حساءً ساخنًا وقال:
«تأكد، لذيذ جدًا. اشتريته اليوم من عمتنا بنفسها.»
أكل زياد بصمت، بينما كان آرمار يتحدث عن يومه، عن تفاصيل صغيرة وأحداث عابرة، كأنه يحاول شدّ صديقه إلى العالم من جديد. وحين لاحظ شروده، سأله بجدية:
«إلى متى ستبقى هكذا؟»
رفع زياد نظره وقال بهدوء:
«انتهيت من الأكل… الآن، ألن تذهب؟»
رفع آرمار حاجبيه بدهشة:
«بعد كل هذا، تطردني هكذا؟»
ابتسم زياد ابتسامة هادئة:
«لم أطلب منك شيئًا.»
أومأ آرمار بغضبٍ خفيف، وهو يعرف هذه النبرة جيدًا:
«حسنًا… تذكّر، إن احتجت قطع غيار أو عجلات أو زجاج، لا تتصل بي.»
لم يردّ زياد. مسح يده بملابسه المتسخة، وعاد نحو السيارة ليكمل إصلاحها. حمل آرمار نفسه وغادر، وهو يقول بغضبٍ وهو يبتعد:
«سأنتظرك غدًا.»
أجابه زياد بابتسامة خفيفة:
«ألم تقل إنك لن تردّ عليّ؟»
توقف آرمار لحظة، نظر إليه بغضب، ثم غادر دون كلمة.
كانت هذه من عاداتهما. وكان زياد يعلم جيدًا أن آرمار يفعل كل ذلك ليُعيده كما كان في الماضي… لكنه يعرف أيضًا أنه من المستحيل أن يعود كما كان يومًا.
بقلم آنا آلكاتي ✒️🖤

تعليقات
إرسال تعليق