" حين نأخذ العالم من الذين كبروا "



«هم لم يتغيّروا… نحن فقط توقّفنا عن رؤيتهم.»


كنتُ خارجة ذات يوم، وكان المكان يعجّ بالأطفال. يركضون، يصرخون، يضحكون... يشعلون الأرض حياةً وضجيجًا. شعرتُ حينها بالضيق، فتمتمتُ بلا وعي:


"يا له من ضجيج!"


فردّ عليّ شخصٌ كان بجانبي، بصوتٍ هادئ كأنما يحمل حكمة العمر:


"لولا وجودهم، ما كان كل هذا."


ابتسمتُ للحظة، ثم صمتُّ طويلًا.


كلماته ظلّت ترنّ في رأسي...

"لولاهم، ما كان هذا."


كل هذا الضجيج، اللعب، الألوان، الضحك، الألعاب، الأحذية الصغيرة، القمصان المزينة، المتنزهات، القصص، الحلوى، الأغاني...

كلّه، من أجلهم.


لكن تسللت فكرة حزينة بين طيّات التأمل:

إذا كان كل هذا من أجلهم، فلماذا حين يكبرون، نأخذ كل شيء منهم؟


لماذا يصبح الضجيج جرمًا؟

واللعب ترفًا؟

والألوان طفولية؟

والضحك العالي وقاحة؟

لماذا نجرّدهم من كل ما صُنع لهم يومًا، ونطلب منهم أن "ينضجوا" بطريقة تُجفّف أرواحهم؟


نحن لا نحب الأطفال فقط، نحن نحب الطفولة فيهم.

وحين يكبرون، نطالبهم أن يخلعوا هذا الجلد، أن يتنازلوا عن أنفسهم، أن يرتدوا وجوه الكبار الصامتة، وأن يغادروا العالم الذي بُني لهم…


نُريهم الأبواب، ثم نغلقها في وجوههم فقط لأنهم لم يعودوا "صغارًا".


لكنهم لم يتغيّروا... صدقًا، لم يتغيّروا.

كبرت أجسادهم، أما أرواحهم فما تزال تبحث عن اللعبة، عن الحلوى، عن الأمان، عن اليد التي تُمسكها حين تخاف…

عن من يقول لهم:


"ما زلتَ تستحق أن يكون هذا العالم لك."


ربما حان الوقت أن نتوقف عن بناء العالم من أجل أطفال فقط...

ونبدأ ببنائه من أجل كل من يحمل طفلًا صغيرًا في داخله، لم يكبر يومًا.


بقلم آنا آلكاتي ✒️🖤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العمق والتفكير الزائد: مفارقة لا يفهمها الجميع

بعد عيد الحب: المعنى… هل هو حقيقة أم اختراع؟