" المرآب " * part 2 *
عاد الزمن إلى الماضي، حيث كان زياد متسابقًا لا يُشق له غبار، معروفًا بسرعته واحترافيته في القيادة. فاز بمئات الجوائز، وتصدر دومًا المراتب الأولى، وكانت فرحة الانتصار تعم وجوه فريقه، وعلى رأسهم آرمار، صديقه المخلص وأول مشجعيه، الذي ظل بجانبه في كل لحظة من مسيرته.
مع كل فوز، سواء في السباقات المحلية أو العالمية التي تخطف الأنفاس، كان اسم زياد يعلو في السماء مع الكأس الذهبي، بينما تلمع زيّاته كنجوم تتلألأ في سماء المنافسة. كانت عائلته، زوجته وأبناؤه، تحتضنه بفخر، وهو يحملهم على ذراعيه كأنه يحمل الريشة، فيما يصفق الجميع ويعلو الحماس على وجوه أصدقائه وطاقم فريقه الذي بذل كل جهد للوصول إلى هذه اللحظة.
وسط هذه الفرحة، توقفت أعين زياد على السيارة التي ربح بها، وكأنها تعيد إليه ذكريات شبابه. أيام كان يعيش حياة متوسطة مع أصدقائه، يخرجون إلى واحة خالية كالصحراء للضحك واللعب والتنزه. هناك، لاحظ سيارة لامعة مركونة بعيدًا، بدت مهجورة وكأنها لم تُسق منذ زمن طويل.
اقترب زياد منها، وعيونه تتنقل بين تفاصيلها بدقة، كأنه أمام تحفة ميكانيكية نادرة. لم يكن يملك المال لشرائها، لكن فضوله وإعجابه دفعاه للتقرب أكثر. وبينما كان غارقًا في مراقبتها، ظهر فجأة رجل عجوز وسأله بحدة:
— "ماذا تريد يا هذا؟"
تراجع زياد قليلًا، خائفًا من موقف محرج مع صاحب السيارة. لكن الرجل، وكأنه يقرأ أفكاره، أضاف سؤالًا آخر جعل قلبه يتوقف:
— "هل تريدها؟"
لم يتردد زياد، وأجاب بصوت هادئ:
— "نعم."
ثم تذكر فجأة أنه لا يملك المال، وأردف:
— "لكن… ليس لدي مال…"
قبل أن يتمكن من إكمال كلامه، وضع الرجل المفاتيح على السيارة وقال مبتعدًا:
— "إنها لك."
"اختفى الرجل فجأة حين التفت زياد، فلم يجد له أثرًا، كأنه سراب، تاركًا إياه مذهولًا أمام تحفة ميكانيكية استثنائية، كأن السيارة تحمل روحها الخاصة."
أما أصدقاء زياد، الذين كانوا يبحثون عنه، فقد وجدوه واقفًا ممسكًا بالمفاتيح. نظروا إليه بدهشة، متسائلين: من أين حصل على هذه التحفة؟ اكتفى زياد بابتسامة صغيرة، لكنه كان يعلم أن هذه السيارة ستغير حياته.
ركب السيارة، أشعل الموسيقى، وانطلق بها بانسيابية مذهلة، ملتفًا من منعرج إلى آخر بسرعة وأناقة تجعل الزمن يتوقف
للحظة. " ثم اجتاح المكان هدير المحرك، أعظم من كل ما سمعه من قبل. ورغم بساطتها الظاهرية، كانت السيارة تشع بهالة من الفخامة، كأنها تحفة من أفخم الطرازات، تحمل في صمتها سرًّا يثير الدهشة ، وكل اندفاع من دواسات الوقود أثار فيه شعورًا بالسحر والخوف في الوقت نفسه.
عاد سريعًا إلى أصدقائه، الذين شاركوه فرحة الاكتشاف، وبدأوا بتنظيف السيارة وتلميعها، وإصلاح أي جزء قديم فيها. مع كل إصلاح، كانت أحلامهم تتجسد: تكوين فريق للسباقات، التحدي، والانتصار معًا.
مرت الأيام، وبعد محاولات كثيرة ودعم أصدقائه وثقتهم به، جاء اليوم الذي منحهم فيه شخص ما الفرصة لدخول حلبة منافسة رسمية. كانت المسابقة مشوقة، مليئة بالمنافسين الأقوياء وسياراتهم الباهظة الثمن. لكن زياد، بدعم من فريقه ومن تلك السيارة الغامضة، أثبت تميزه، متصدرًا المركز الأول بمهارة فائقة، حيث كل حركة وكل التفاف وكل اندفاع من دواسات الوقود يحمل توقيع خبرته وروح السيارة نفسها.
"مع مرور الوقت، أصبح زياد رمزًا عالميًا، متصدر السباقات، متزوجًا ولديه أطفال. ومع كل ثروته وطول سلسلة انتصاراته، لم يبدل تلك السيارة أبدًا. لم تكن مجرد مركبة، بل كانت جزءًا من ذكرياته، حلمه الذي تحقق، رفيقًا لا يُستغنى عنه… لكن، في لحظة، تلك التي صنعت حياته… هدمت كل شيء."
بقلم آنا آلكاتي ✒️ 🖤

تعليقات
إرسال تعليق