" بين الحلال والحرام "
بين الحلال والحرام، هناك عالم يذوب فيه الأبيض مع الأسود.
حيث تتقاطع الحدود وتذوب الفوارق، فتغدو المفاهيم بلا وزن، والرؤى بلا بوصلة.
ننظر للحلال كأنه حرام، والحرام كأنه حلال.
تتلبس الأشياء وجوهًا غير وجوهها، وتختلط المعاني حتى يصعب التفريق بين الحقيقة والوهم.
هذا الخلط ليس مجرد فكرة نظرية، بل واقع نعيشه يوميًا.
كم مرة شعرنا أن أمرًا صحيحًا أصبح خطأً في أعين الآخرين؟
وكم مرة وجدنا أن ما نهين عنه صار مطلوبًا أو مغرٍ، فتزلزلت قناعاتنا؟
حين تختلط الحدود، يصبح كل شيء نسبيًا، وكل موقف مرنًا.
ويصعب التمسك بالحق، بينما يغدو الوهم مغريًا أكثر من الحقيقة.
وحيث يصير الجهل عقلًا، ويصير الوعي جنونًا، ويصير الكذب حقيقة، تتحول الحرية إلى عبء ثقيل على الروح، ويصبح السجن مأوى للطمأنينة.
الحرية في هذا السياق ليست مجرد اختيار، بل مسؤولية ثقيلة.
عندما لا نعرف ما هو صواب وما هو خطأ، نصبح أسرى للخيارات التي نختلقها بأنفسنا، نصنع حواجز من وهم، ونعيش في سجن من اختياراتنا.
الحرية تصبح عبئًا، والسجن يصبح أمانًا مؤقتًا.
ومن تلك المناظير، يرى كل إنسان العالم بعين واحدة، من منظاره الخاص.
يفسر ما يراه حسب رغباته ومخاوفه، ويتجاهل أي شيء يخالف تصوره.
ورغم وضوح الحقيقة أمامه، يفضل تغطيتها بمنظار ضيق يحدد الرؤية، فيغدو الحق كالظل، والباطل كالنور.
كل واحد يرى العالم بما يراه مناسبًا له، حتى لو خالف الواقع، وحتى لو تجاهل المعاني الثابتة التي تقف بلا حراك أمامه.
حين تختلط الحدود، نصبح غرباء داخل أنفسنا.
نضيع بين ما نعرف وما نريد أن نراه، بين العقل الذي ينشد الوضوح، ورغبة تحتمي بالوهم.
بين الصواب الذي يصير خطأ، والخطأ الذي يصير صوابًا.
نصير أسرى الغموض، نبحث عن الأمان في قيود اخترناها أو فرضت علينا، ونجد الحرية في وهم نغلف به أنفسنا كي لا نواجه الحقيقة كاملة.
تخيل موقفًا بسيطًا من حياتك اليومية:
أن تكون في حديث عادي، تتكلم بعفوية، وتقول الحقيقة كما تراها دون تفكير كبير. لكنك فجأة تلاحظ تلك النظرة في عيون من حولك؛ نظرة توحي بأن ما قلته لا ينبغي أن يُقال، أو أن الوقت غير مناسب لقول الحقيقة. وربما يقاطعك أحدهم، أو يحاول تغيير الموضوع بطريقة غير مباشرة.
في تلك اللحظة تدرك أمرًا غريبًا: الجميع يعرف الحقيقة، لكن الجميع يفضّل تغليفها.
السؤال هنا: لماذا؟
ومع تكرار هذا الموقف مرارًا، قد تجد نفسك تفعل الشيء نفسه. تبدأ بتخفيف الحقيقة، أو الالتفاف حولها، وربما تتجنب قولها تمامًا. والغريب أنك قد لا تعرف حتى لماذا تفعل ذلك.
لماذا لا تُقال الحقيقة كما هي؟
لماذا يجب أن نلتف حول أمر واضح كوضوح الشمس؟
ولماذا نُعامل ما هو واضح كأنه سراب أو ضباب كثيف؟
أحيانًا لا يكون السبب كره الحقيقة، بل الخوف من أثرها.
الخوف من ردود فعل الآخرين، من سوء الفهم، أو من أن تتحول كلمة صادقة إلى نزاع أو توتر. لذلك قد يكذب الإنسان قليلًا، أو يتجاهل الصواب أحيانًا.
لكن هنا يبرز سؤال أعمق:
هل هذا خطأ؟ أم أنه مجرد محاولة لحماية النفس؟
عند هذه النقطة يبدأ الاختلاف بين ما نراه نحن وما يراه الآخرون. فكل إنسان ينظر إلى الحقيقة من زاوية مختلفة، ومن خلال منظار خاص به، تشكّل من تجاربه وخوفه ورغباته.
وهنا تصبح الحدود بين الحلال والحرام أكثر ضبابية، وتتحول الحقيقة إلى شيء نسبي، يختلف باختلاف المنظار الذي نختاره لنرى به العالم.
فنجد أنفسنا نعيش في دوامة من الأسئلة؛ نصارع الحقائق الواضحة مع الصور التي صنعها المجتمع حولها. نحمل عبء حرية لا نعرف كيف نستخدمها، وفي الوقت نفسه نبحث عن الطمأنينة داخل قيود ربما فرضها الآخرون… أو فرضناها نحن على أنفسنا.
فتغدو القيود مأوى، وتصبح الحرية شعورًا غامضًا أو وهميًا.
ويبقى السؤال الذي لا يتوقف عن العودة:
هل نرى الحقيقة كما هي فعلًا؟
أم أننا نغطي أعيننا بمناظير صنعناها بأيدينا لنرى العالم كما نريد، لا كما هو؟
إن الطريق إلى الوضوح يبدأ من الداخل، من قلب كل واحد منا.
حين نصغي للعقل بلا تزيف، وللوجدان بلا تشويه، نعيد ترتيب حدودنا الداخلية، نعيد للحلال حلاله، وللحرام حرامه.
فنصبح قادرين على التمييز بين ما ينبغي وما هو حقيقي، بعيدًا عن التباس يقتل النفس قبل الجسد، ويجعل الوهم حقيقة، والحقيقة وهمًا.
إعادة النظر في حدودنا لا تعني القسوة على أنفسنا، بل تعني الصدق مع ما نحن عليه، وتحمل مسؤولية اختياراتنا.
إنها دعوة للتأمل: لننظر بوضوح، لنرى الأشياء كما هي، بعيدًا عن التزييف، بعيدًا عن الرغبات التي تلوث الرؤية.
حين نحقق ذلك، نصبح أحرارًا حقًا، والحرية تصبح شعورًا لا عبئًا، والسجن يصبح اختيارًا مدروسًا، لا مأوى خوف.
في النهاية، بين الحلال والحرام، وبين الحرية والسجن، تكمن الحقيقة في القلب الواعي، في العقل المستنير، وفي الروح التي تعرف طريقها بلا مناظير مغلوطة.
وهكذا، نصبح قادرين على العيش في توازن، نرى الأشياء على حقيقتها، ونميز بين ما ينبغي وما هو حقيقي، بعيدًا عن أي ضباب يطمس الرؤية ويخفي الوضوح.
بقلم آنا آلكاتي ✒️ 🖤

تعليقات
إرسال تعليق