الواقع والمواقع: هل نهرب من الحقيقة أم نهرب من نظرتنا لها؟

"بين الواقع والعالم الرقمي"

 الواقع والمواقع: هل نهرب من الحقيقة أم نهرب من نظرتنا لها؟

كثيرًا ما نسمع العبارة الشهيرة: "الواقع مر."

وغالبًا تُقال عندما يتحدث الناس عن سبب لجوئهم إلى الإنترنت أو مواقع التواصل. فالبعض يرى أن هذه المواقع ليست إلا وسيلة للهروب من حياة قاسية أو من حقيقة لا يرغب الإنسان في مواجهتها.

لكن السؤال الحقيقي ليس إن كان الواقع مرًا أم لا، بل: هل الحقيقة فعلًا مرة؟ أم أننا اعتدنا النظر فقط إلى الجانب المر منها؟

الإنسان بطبيعته يميل إلى التركيز على ما يؤلمه أكثر مما يسعده. قد يعيش يومًا مليئًا بالأشياء العادية أو الجميلة، لكن موقفًا سيئًا واحدًا كفيل بأن يجعله ينسى كل ما عداه. لذلك يبدو العالم أحيانًا وكأنه مكان قاسٍ، رغم أن الصورة الكاملة قد تحتوي على تفاصيل أخرى تستحق الامتنان.

الغريب أن أكثر الناس رضا في الحياة ليسوا دائمًا أولئك الذين عاشوا حياة سهلة. بل على العكس، كثيرًا ما نجد أشخاصًا مروا بتجارب صعبة وآلام كثيرة، ومع ذلك يمتلكون قدرًا عجيبًا من الرضا. السبب ليس أنهم لم يتأذوا، بل لأنهم أدركوا حقيقة بسيطة: الحياة لم تُخلق لتكون جنة.

لو كانت الحياة جنة لما خُلق الإنسان بشهوة وعقل وقلب في الوقت نفسه؛ تلك القوى المتناقضة التي تجعل قراراته دائمًا صراعًا بين ما يريد وما ينبغي عليه فعله. ولهذا يمكن القول إن الإنسان لا يختار بين الراحة والتعب، بل يختار فقط نوع التعب الذي يناسبه، فالتعب سيأتي عاجلًا أم آجلًا.

أما المواقع والفضاء الرقمي، فليست بالضرورة عدوًا للواقع. أحيانًا تكون مجرد استراحة صغيرة من معركة الحياة اليومية؛ مكانًا يلجأ إليه الإنسان ليضحك قليلًا، أو يحلم قليلًا، أو ينسى ثقل الأفكار لبعض الوقت.

قد تبدو هذه المواقع أحيانًا وكأنها واقع مغطى بشيء من الزيف، أو ما يمكن تسميته "كذبة بيضاء". لكنها ليست دائمًا كذبة خبيثة؛ ففي بعض الأحيان تكون مجرد وهم لطيف يسمح للإنسان بأن يتنفس قليلًا قبل أن يعود إلى حياته.

ومع ذلك يبقى الخطر الحقيقي عندما ينسى الإنسان الحدود. فالمشكلة ليست في وجود هذه المواقع، بل في الوقوع في قاعها حتى تصبح بديلًا كاملًا عن الحياة نفسها. حينها يتحول الهروب المؤقت إلى سجن طويل.

والغريب في الأمر أن معظم الناس يدركون أن ما يرونه على الإنترنت ليس الحقيقة الكاملة. الصور المثالية، والحياة السعيدة دائمًا، والقصص الجميلة… الجميع يعلم أنها ليست صورة دقيقة للواقع، ومع ذلك يستمر الناس في متابعتها.

ربما لأن الإنسان، مهما كان واقعيًا، يحتاج أحيانًا إلى حلم صغير.

في النهاية، كل شخص يعيش معركته الخاصة. قد لا نراها، وقد لا نفهمها، لكنها موجودة. وبين تلك المعارك اليومية، يبحث الإنسان عن لحظات بسيطة من الهدوء، سواء وجدها في الواقع… أو في أحد تلك المواقع.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:

هل نحن نهرب من الحقيقة فعلًا؟ أم أننا فقط نبحث عن طريقة أخف لنعيشها؟


بقلم آنا آلكاتي ✒️🖤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

" حين نأخذ العالم من الذين كبروا "

العمق والتفكير الزائد: مفارقة لا يفهمها الجميع

بعد عيد الحب: المعنى… هل هو حقيقة أم اختراع؟