" المرآب" part 3

" اليوم المشؤوم "

 عاد الزمن إلى الحاضر، ووقف زياد أمام تلك السيارة، بنظرة قاتلة مثبتة عليها، كأنها تذكير أبدي بالحادث الذي قلب حياته رأسًا على عقب. من بعيد، سمع صوت آرمار يقترب بخطوات حيوية وابتسامة عريضة:

— مناذي زياد! صديقي! اشتقت إلي اليوم!

تجاهل زياد التحية، كما اعتاد منذ الحادث، دون أن يرفع عينيه عن السيارة. كرر آرمار مزاحه بابتسامة:

— أنا متأكد أنّك اشتقت إلي… لكنك لا تريد الاعتراف!

كان زياد ممسكًا بمفك يصلح به السيارة في المرآب. فور اقتراب آرمار، وجه إليه نظرة صارمة، ليست غضبًا حقيقيًا، بل بطبيعته المتحفظة. آرمار، بطبيعته المرحة، رفع يديه وقال:

— حسنًا… سأصمت وأبتعد عنك قليلًا.

بينما انشغل زياد بالعمل على السيارة، ظل آرمار يراقبه ويتحدث عن آخر أخباره، متفاخرًا بمزحه المعتاد حول شعبيته بين الفتيات، منتظرًا رد فعل زياد، لكنه كان يعرف يقينًا أنّه لم يعد كما كان سابقًا.

عاد آرمار بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم: الحادث، الصدمة، الساعات الطويلة في المستشفى، والهدوء المرعب في زياد بعد كل ذلك. اليوم الذي فقد فيه زياد كل أفراد أسرته، وكاد هو نفسه أن يموت معهم، إلا أنّه ظل حيًا، صامتًا، رافضًا الطعام والنوم، حتى اضطر المستشفى لإعطائه حقنًا منومة لينام، إذ كانت صحته على شفا الانهيار.

لكن آرمار لم يفقد الأمل، لأنه لم يكن مجرد صديق، بل أخ له، رافقه منذ أيام دار الأيتام، حيث تعرّضا معًا للتنمر. كان زياد دائمًا يقف بجانبه، حاميًا وملهمًا، وهكذا أصبحا أخوين لا يفترقان. ظل آرمار يزوره مرارًا، مدركًا أنّ صدمة فقده لعائلته كانت عميقة، وأن الحلم الذي بناه زياد بعائلة صغيرة قد تبخر في ثانية.

حتى بعد زواج زياد، بقي آرمار جزءًا من حياته، يشارك في كل تفاصيله، كأنه أحد أوصيائه. بفضل إصراره، عاد زياد تدريجيًا إلى ذاته، بدأ يأكل ويشرب وينام، لكن شيئًا ما تغيّر فيه: لم يعد يبكي، لم يعد يصرخ، صمت داخليًا وكأن دموعه تجمدت في أعماقه. حاول آرمار مرات عديدة إخراج ما في داخله بالكلام، لكنه كان يستمع فقط، أو ربما لا لم يدرك آرمار أبدًا ما يدور في ذهنه.

بدأ الحديث حين تطرق آرمار إلى السيارة و متحدثا عن سباقات ، هناك تحدث اخيرا زياد قائلاً إنه سيتخلى عن عالم السباقات، وأنه يريد بيع سياراته تلك أو التخلص منها، و أنه لم يعد يريد رؤيتها بعد الآن. شعر آرمار بسعادة غامرة لمجرد سماع زياد يتحدث، لكنه شعر بالحزن أيضًا، لأنه يعلم أنّ زياد سيبتعد عن عالم لطالما سعى فيه وحقق فيه إنجازات فريدة. تفهم آرمار رغبته ولم يناقشه، لكن مع كل محاولة لإعطاء السيارة لشخص آخر، كانت السيارة تعود دائمًا إلى المرآب كما لو كانت مرتبطة بمكانها أو بملاكها الحقيقي.

حتى حين حاول آرمار البحث عن سبب ذلك، كل من اقتنى السيارة تحدث عن شعور بالرعب، واصفين إياها بأنها "لعنة". لم يصدق آرمار الأمر، معتقدًا أنّها مجرد خرافات… إلى يوم خروج زياد من المستشفى، حين بدأ كل شيء يأخذ معنى آخر.


يتبع...

بقلم آنا آلكاتي ✒️🖤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

" حين نأخذ العالم من الذين كبروا "

العمق والتفكير الزائد: مفارقة لا يفهمها الجميع

بعد عيد الحب: المعنى… هل هو حقيقة أم اختراع؟