" من الصعب أن تكون طفلًا "
يعتقد الكثيرون أن أصعب مراحل الحياة هي الشباب، أو تحمّل مسؤوليات الكِبر، أو حتى الشيخوخة. لكن الحقيقة قد تكون أبعد من ذلك بكثير… فواحدة من أصعب المراحل التي قد يعيشها الإنسان هي الطفولة.
نعم، هؤلاء الأطفال الذين نراهم يبتسمون للجميع دون استثناء، بقلوب لا تعرف التفرقة بين جيد وسيئ، ولا تفهم الطبقية أو الحقد. يعاملون الجميع بلطف، يمنحون ابتسامتهم الصادقة دون حساب، ولا يدركون معنى الطمع أو الكذب. يفرحون ببساطة، ويحزنون بصدق، ويخافون ببراءة. وجوههم كانت وما زالت رمزًا للنقاء والأمل، حتى أن البعض شبّههم بالملائكة.
لكن، ماذا يحدث لهذه البراءة؟ كيف يتحول بعض هؤلاء الأطفال إلى شخصيات يصفها الناس بالقسوة أو العدوانية؟ متى تختفي تلك الملامح الهادئة من وجوههم؟
الحقيقة المؤلمة هي أن بعض الأطفال لا يعيشون الطفولة كما يجب. هناك من يُحرم منها قبل أن يفهم معناها أصلًا. طفل لم يُمنح فرصة للعب، أو للأمان، أو حتى للشعور بأنه طفل. وهذا غالبًا لا يكون صدفة، بل نتيجة أخطاء أو أنانية بعض الكبار، الذين قد يأتون بطفل إلى هذا العالم دون وعي كامل بمسؤولية احتوائه وحمايته.
عندما نسمع كلمة طفولة، نتخيل الضحك واللعب، وكأنها مرحلة خفيفة خالية من الهموم. لكن الواقع مختلف أحيانًا. أن تكون طفلًا قد يكون أصعب مما يبدو، لأن الطفل لا يمتلك الأدوات التي تساعده على فهم ما يحدث حوله أو التعامل معه.
الطفل يعتمد على الآخرين في كل شيء: في الأمان، في الحب، في تفسير مشاعره. وهذا الاعتماد يجعله هشًا أمام أي خلل في تصرفات الكبار. فهو لا يستطيع تغيير واقعه، ولا الهروب منه… بل يتأثر بصمت.
كثيرًا ما يدفع الأطفال ثمن أشياء لا يفهمونها: خلافات، انفعالات، قرارات لم يشاركوا فيها. لكنها تترك أثرًا عميقًا داخلهم، أثرًا قد لا يظهر فورًا، لكنه يكبر معهم مع الوقت.
وفي داخل هذا كله، يعيش الطفل مشاعر كثيرة: خوف، حزن، ارتباك… لكنه لا يجد دائمًا الكلمات ليعبّر. وأحيانًا لا يجد من يستمع. فيتحول هذا الشعور إلى صمت داخلي، إلى عجز هادئ يكبر معه.
ثم يأتي ضغط المجتمع، الذي يطلب من الطفل أن يكون أقوى مما يحتمل. أن يكون صبورًا، مثاليًا، متحملًا… بينما هو ما زال يحاول فقط فهم نفسه والعالم.
يقال إن الأطفال يأتون برزقهم، لكن الرزق وحده لا يكفي. الطفل يحتاج إلى من يفهمه، يحتويه، ويمنحه شعورًا حقيقيًا بالأمان، لا مجرد تلبية احتياجاته الأساسية.
هناك فرق كبير بين طفل ينشأ في بيئة يسودها الخوف، وآخر ينشأ في بيئة تمنحه الثقة. الأول قد يكبر مترددًا، قلقًا، يبحث دائمًا عن الأمان. أما الثاني، فيحمل داخله نورًا هادئًا يمنحه الشجاعة، ويجعله قادرًا على مواجهة الحياة دون أن يفقد طيبته.
في النهاية، الطفولة ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء لاحقًا. لذلك، ربما علينا أن نعيد النظر… ليس في الأطفال، بل في الطريقة التي نكون بها حولهم.
لأن الطفل لا يطلب الكثير… فقط أن يُفهم، أن يُحمى، وأن يُمنح فرصة ليكون طفلًا كما يجب.
بقلم آنا آلكاتي ✒️🖤

تعليقات
إرسال تعليق