"بين الوهم والحقيقة"
بين الوهم والحقيقة
بين الوهم والحقيقة، بين الوجود وغير الموجود، بين الكذب والخداع… عندما يرتدي الوهم ثياب الحقيقة التي أخذها منه خِلسةً، ويمشي بها أمام الجميع دون أن يرفّ له جفن.
فأين تذهب الحقيقة حين يُسرق وجودها؟ وكيف تُثبت أنها حقيقة حين صار الوهم أكثر إقناعًا منها؟
دعوني أحكِ لكم قصة.
في يوم مشرق، خرجت الحقيقة تتنفس الهواء وترى السماء، فقالت: "يا لها من سماء جميلة." ومشت في الشارع تبتسم وتضحك في وجوه الناس، لا تحمل همًّا ولا تخشى شيئًا — لأن من يملك الحقيقة لا يخاف.
مشت حتى وصلت إلى بحيرة هادئة، لمست ماءها وقالت: "الماء جميل اليوم ودافئ." فقررت أن تنزع ملابسها لتسبح، تاركةً إياها على الشاطئ بكل ثقة واطمئنان.
لكنها لم تعلم أن الوهم كان يترصدها كظلها منذ البداية — يراقب، ويصبر، وينتظر لحظة الغفلة.
فما إن نزعت الحقيقة ملابسها ودخلت الماء، حتى تسلّل الوهم خِلسةً، أخذ كل شيء، وارتدى ملابسها ببرود. ثم مشى بين الناس بكل ثقة، يلقي التحية ويبتسم، والجميع يردّ عليه بحفاوة، معتقدًا أنه الحقيقة.
أما الحقيقة، حين انتهت من سباحتها وخرجت لترتدي ملابسها، لم تجد شيئًا. وجدت نفسها عارية تمامًا أمام العالم.
أرادت الخروج والمشي بين الناس لتقول لهم ما حدث، لكن الجميع رمقها بنظرات السخرية والاستهجان. لم يصدقها أحد. بل اتهموها بأنها هي الكاذبة، هي السارقة، هي التي تدّعي ما ليس لها.
خجلت. ارتبكت. فرجعت إلى الماء تختبئ في قاعه، تفضّل التجمد على المواجهة — لأن الخروج بلا ملابس أهون من الخروج بلا كرامة حين لا يصدقك أحد.
وهكذا صار وجودها غير موجود.
بينما الوهم كان لا يزال يتمشى في الشوارع بكل ارتياح، يحكي للناس عن جمال السماء وعن دفء الماء — بكلمات سرقها هو الآخر منها.
ربما في هذه القصة ستفهمون قليلًا ما أقصده.
أحيانًا ليس كل ما تراه العين حقيقة، وليس كل ما سمعناه أو توارثناه حقيقةً لا تُناقَش. أحيانًا نحن من يمنح الوهم قوته حين نصدّقه بسرعة، ونشكّك في الحقيقة بنفس السرعة.
والأخطر من الوهم نفسه؟ أننا أحيانًا نعرف أنه وهم… ومع ذلك نختاره، لأنه أجمل وأريح وأقل إيلامًا.
فكّروا في ذلك — كم مرة آثرتم الوهم على الحقيقة؟ وكم مرة كنتم أنتم من أخذ الملابس؟ 🖤
وللمزيد — كتبت رواية تنبثق من هذه الفكرة ذاتها،
وهذا الكتاب وليد تلك الفكرة " اندماج "


تعليقات
إرسال تعليق