" ضجيج الحياة "
أول سؤال سأطرحه عليك هو:
هل حقًا تحب الوحدة؟
هل تحب أن تبقى وحدك فعلًا؟
قبل أن تكمل القراءة، أجب عن هذين السؤالين، سواء بينك وبين نفسك أو في التعليقات إن أردت.
إن كانت إجابتك نعم، فسأطرح عليك سؤالًا آخر:
لماذا؟
ما الذي يجعلك ترغب في البقاء وحدك؟ هل هو التعب؟ أم الناس؟ أم الضجيج؟
ربما ستخبرني أن السبب هو الضجيج.
حينها سأقول لك: ربما أنت محق... وربما لا.
لأنني أنا أيضًا كنت أظن أنني أكره الضجيج.
لكنني مؤخرًا أدركت أنني كنت أخلط بين شيئين مختلفين تمامًا. لم أكن أكره الضجيج، بل كنت أكره نوعًا معينًا منه.
وهنا خطر في بالي سؤال بسيط:
أيُّ ضجيجٍ نكره؟
ليس كل صوت مرتفع مزعجًا، كما أن ليس كل هدوء مريحًا. أحيانًا يكون المكان صامتًا، لكنك تشعر فيه بثقل لا يُحتمل، وكأن الصمت نفسه يضغط على صدرك. وفي المقابل، قد يكون المكان مليئًا بالأصوات، ومع ذلك تشعر براحة غريبة، وكأن كل صوت فيه يخبرك أن الحياة ما زالت تنبض.
هناك ضجيج يشبه نبض الحياة.
ضجيج الأطفال وهم يركضون في الأزقة أو الحدائق، وضحكاتهم العفوية التي لا تعرف التصنع. ضجيج العائلة حين تجتمع حول مائدة واحدة، يتحدث الجميع في الوقت نفسه، فتختلط الكلمات بالابتسامات. وضجيج الأصدقاء وهم يروون مواقف مضحكة، أو يتجادلون حول فكرة، ثم ينفجرون بالضحك بعد دقائق.
وهناك أيضًا أحاديث الكبار التي لا تقوم على القيل والقال، بل على تبادل التجارب والذكريات، وسرد القصص القديمة، والأحاجي، والألغاز، وحتى تلك الحكايات التي يصفها البعض بالخرافات، لكنها تترك في القلب أثرًا جميلًا. تلك الأصوات، رغم كثرتها، لا تزعجك، بل تمنحك شعورًا بالأمان، وكأنها تهمس لك: أنت لست وحدك.
وفي الجهة الأخرى، يوجد ضجيج من نوع مختلف تمامًا.
ضجيج الصراخ الذي يسبق المشاجرات أو يتبعها. ضجيج الكلمات القاسية التي تُقال في لحظة غضب، ثم تبقى في الذاكرة سنوات. ضجيج الإهانات، والاتهامات، والكراهية، والنميمة، وضجيج المقارنات الذي لا ينتهي، وضجيج مراقبة الناس لك، والأحاديث التي لا تُبنى إلا على هدم الآخرين. إنه ضجيج يجعل الإنسان يشعر بالاختناق، حتى وإن كان المكان واسعًا.
والمثير للاهتمام أن مصدر الضجيجين واحد؛ فكلاهما أصوات بشر. لكن ما يختلف هو ما تحمله تلك الأصوات من مشاعر. فالأصوات التي تخرج من قلب مليء بالمودة تختلف كثيرًا عن الأصوات التي تخرج من قلب مثقل بالغضب أو الحقد.
وربما لهذا السبب نجد أشخاصًا يقولون إنهم يحبون الوحدة. لكنني أعتقد أنهم ليسوا عشاقًا للوحدة بقدر ما هم هاربون من الضجيج الذي استنزف أرواحهم.
ورغم أن للوحدة جمالها، فإنها ليست جميلة دائمًا. فهي أيضًا تمتلك نوعًا آخر من الضجيج... ضجيج النفس.
ذلك الضجيج الذي يبدأ عندما يختفي كل شيء من حولك، فلا يبقى إلا أفكارك، وذكرياتك، وأسئلتك التي لم تجد لها إجابة. أحيانًا يكون ضجيج النفس أقوى من أي صوت خارجي، لأنه لا يأتي من العالم، بل يأتي منك أنت.
ولهذا أظن أننا لا نكره الضجيج في حد ذاته، وإنما نبحث عن الضجيج الذي ترتاح له أرواحنا، ونهرب من الضجيج الذي يستنزفها.
فنحن لا نتذكر عدد الأصوات التي سمعناها في حياتنا، لكننا نتذكر دائمًا كيف جعلتنا تلك الأصوات نشعر. هناك صوت نشتاق إليه حتى بعد سنوات، وهناك صوت نتمنى لو أننا لم نسمعه يومًا.
لهذا لم أعد أقول إنني أكره الضجيج، بل أقول إنني أبحث عن الضجيج الذي يجعل القلب أكثر هدوءًا، لا أكثر اضطرابًا.
فليس كل ضجيج فوضى، وليس كل هدوء سلامًا.
وربما... ليست المشكلة في الضجيج أصلًا، بل في المشاعر التي يحملها إلينا.
بقلم آنا آلكاتي 🖤✒️

تعليقات
إرسال تعليق